المدونات
مقالات الرأي
مقالات الرأي
الرأي

عقدة التاريخ

عقدة التاريخ
الثلاثاء 2 يونيو 2015 - 12:38
فكرت كثيرا بالموضوع الذي سأفــتــتح به صفحتي الخاصة على موقع قناة ميدي 1 تيفي, لم أجد سوى موضوع سورية، بلدي الغالي، لكن من أين سأبدأ؟ وكيف؟ لا أعرف .
 
شريط طويل من الذكريات الحلوة والمؤلمة، ذكريات نـقـلـتـني إلى أيام الطفولة، إلى مقاعد الدراسة حين كنت صغيرة وقرأت في مادة التاريخ أن عالم الآثار الفرنسي "أندري بارو" ANDRE PAROT قال: لكل إنسان متحضر في هذا العالم وطنان موطنه الأم وسورية، جملة لم أفهمها جيدا آنذاك أو لم أفهم معناها الحقيقي بشكل جيد، لكنني شعرت بالفخر حين قرأتها، حـــُفرت في ذاكرتي .
 
دارت الأيام والسنين، كبرت وتخــرجت من الجامعة، واشتـغــلت في المجال الإعلامي وبدأت تجربتي من مدينة حلب، فكان أولُ روبورتاج تلفزيوني عن قلعة حلب الأثرية إحدى أقدم وأكبر القلاع في العالم، هذه القلعة الشامخة التي تتربع على تل يعود للألفية الثالثة قبل الميلاد،, صرح يحكي لنا ماذا فعل الإغريق والبيزنطيون والمماليك والأيوبيون حين مروا من هنا، ومن هنا قررت أنا وزميلي المصور المجتهد والمتميز رائد الفرا، ومعنا مساعديه يحي موصللي و محمد زينو أن نزور المواقع الأثرية في بلادي لنـوثقها في افلام قصيرة . 
 
خلال عملي في البرنامج التلفزيوني رسالة حلب تعرفت على أساتذة سوريين باحثين في التاريخ، أبرزهم مع حفظ الألقاب محمد قجة و محمود حريتاني و عبد الله حجار وتميم قاسو ونديم قفش،,, معهم بدأ المشوار، كنا كل أسبوع نزور موقعا تاريخيا في المدينة القديمة لعروس الشمال، بعدها قررنا أن نذهب إلى مواقع أبعد ونزور المدن المنسية المعروفة بالمدن الميتة في مدينتي حلب وإدلب وهي أكثر من 800 مدينة وقرية أثرية ممتدة على طول جبال الكتلة الكلسية تعود إلى ما بين القرن الأول والسابع ميلادي، حجارة تشهد فترة إزدهار الديانة المسيحية وبناء نحو ألفي كنيسة دُرتها بازيليك القديس سمعان العمودي، هذا المكان كان للحج في الماضي وأصبح فيما بعد من أهم المواقع السياحية في بلادي، مهما حاولت أن أخــتار كلماتي سأبقى عاجزة عن وصف جمال تلك المدن الساحرة بكل تفاصيلها، فــكل حجرة منها تحكي قصة طويلة في تلك الحقبة . 
 
عام 2000 إنـتـقلت للعمل في دمشق أقدم مدينة مأهولة في التاريخ، يا لروعتك يا شام، كم جميل أن تعيش في مدينة تعشقها وأن تتنفس هواءها المعطر بالياسمين وتروي ظمأك من نهر بردى،,, كم جميل ان تتمشى كل يوم في شوارع هذه المدينة التي تغنى بها كبار الشعراء، فرغم زحمة الشوارع إلا أنك تسمع من بعيد صوت شاعرنا الكبير نزار قباني يقول :
 
هنا جذوري هنا قلبي،,, هنا لغتي،,, فكيف أوضح ؟ هل في العشق إيضاح 
 
خلال عملي في العاصمة زرت جبال معلولا في شمال غرب دمشق، منـطقة تضم بين طياتها معالم مسيحية موغلة في القدم تــعود للقرن العاشر قبل الميلاد، ولحد الآن يتكلم سكانها من مسلمين ومسيحيين اللغة الآرامية السريانية، لغة المسيح عليه السلام...
 
بحكم العمل كنت أسافر بإستمرار إلى مدن سورية أخرى، من بين المحطات البارزة في حياتي أيضا محافظة اللاذقية،, حيث توجد مدينة أوغاريت، والتي ظهرت على أرضها أول أبجدية مكمولة / ابجدية أوغاريت/ هي أكمل أبجديات العالم القديم، وأغناها وأكثرها شمولا تحتوي على 30 حرفا. 
 
كلما زرت مدينة أو موقعا سوريا، تذكرت كلمات / أندري بارو / لكل إنسان متحضر وطنان، موطنه الأم وسورية،, فحتى صحراؤنا ليست كباقي صحاري العالم، فـــفيها كانت أهم الممالك القديمة مملكة تدمر التي إزدهرت في النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد، والتي سطرت بطولاتها الملكة زنوبيا، تدمر التي تحمل تاريخا مجيدا، والتي كانت مركزا لممكة عريقة، هي الآن في قبضة داعش ومن يقف وارءه، جهات تدعم وتمول تنظيم الظلام والموت،, تريد أن تغتال تاريخنا كونها لا تملك تاريخ،,, تريد إغــتصاب تدمرنا ونهب حضارتنا، كل ذلك أمام صمت دولي، يضفي مزيدا من الغموض على اللغز الذي يستهدف التاريخ والحاضر والمستقبل. 

 

عاجل