المدونات
مقالات الرأي
مقالات الرأي
الرأي

عصافير أمريكا

عصافير أمريكا
الأربعاء 10 يونيو 2015 - 18:25
الصيف الماضي زرت الولايات المتحدة الأمريكية بقيت هناك أنا وابنتي سيلينا 45 يوما،  خلال هذه الفترة زرت الكثير من الأماكن، جميلة هي أمريكا لكن ليس بجمالك سوريتي، فتاريخك وتراثك وحضارتك لا مثيل لهم،  فأنت من غنت لك فيروز وجادت قرائح الشعراء العرب في وصفك.
 
هنا ناطحات سحاب، مساحات خضراء شاسعة،  زهور و ورود بكل الألوان والأشكال تزين الشوارع العريضة، هذا إلى جانب أغلى و أحلى الماركات العالمية.
 
ما لفت انتباهي ليست هذه الأمور التي ذكرت وإنما العصافير، بإمكانك أن تربي العصافير على شرفتك  دون أن تأسرها في قفص ذهبي، المطلوب فقط أن تضع لها طعامها وشرابها في علب خاصة تعلق على الأشجار، والكل يفعل ذلك طبعا.
 
أغلب أيام عطلتي كانت في واشنطن،  كنا كل يوم نشرب قهوتنا الصباحية أنا و صديقتي ونحن نستمتع لشدو العصافير.
 
بعدها كنا نخرج يوميا لاكتشاف هذه المدينة، عاصمة القرار، ذات يوم جلسنا في مطعم على الرصيف لنتناول الغداء و بينما نحن نتجاذب أطراف الحديث، اقترب من الطاولة عصفور صغير، ووقف على صحن ابنتي أخذ لقمته وطار، اعتقدت أن الجوع أجبره على المخاطر بنفسه، لكنه عاد مرة أخرى وأخذ لقمة ثانية و طار بكامل ثقــته , إستغربت من جرأته , لحظات ثم عاد ,  هنا حاولت إبنتي أن تطعمه بيدها فتناول منها القطعة دون خوف، كم كانت فرحتها كبيرة  لأول مرة تطعم عصفورا طليقا بهذه الطريقة، وخلال دقائق حولت طبقها إلى قطع صغيرة، كانت سيلينا في قمة السعادة، وهي تطعم جزءا من وجبتها للعصفور الضيف، وتقول "ماما أنظري كم هو جميل، ماما أنظري كيف يأكل من يدي، ماما وماما وماما".  
 
لم أرى المشهد كما رأته ابنتي، رأيت عصفورا صغيرا لا يخاف من أحد، ولا من شيء،  رأيت الأمن والأمان مجسدا في عصفور أمريكي، رأيت  عدم الثقة والخيانة التي أصبحت أبرز سمات مجتمعنا وعصرنا، رأيت الخوف والرعب الذي زرعوه في قلوب أطفالنا بعد الربيع المزعوم،  فتذكرت صورة طفلة سورية رفعت يداها وهي مذعورة والدمع متحجر في عينيها، عندما اقترب منها مصور ليصورها فاعتقدت أنه مسلح يريد قتلها كما فعل بعائلتها، رأيت تنظيم الظلام والموت "داعش" الذي خلقوه لنقتل بعضنا بإسم الدين وننهش لحوم بعضنا بإسم الحرية، فعاد إلى ذاكرتي مشهد ذلك الداعشي الذي التهم قلب جندي سوري كان يدافع عن وطنه بشرف.
 
كم كنا ننتظر ربيعا ينقل شرقنا الغني بالتاريخ وقصص الحب، إلى عوالم الحضارة  إلى مجتمعات نحادث فيها العصافير.
 
كم كنا ننتظر ربيعا يدق آخر مسمار في نعش الحقد والتطرف والتخلف والجهل.
 
لقد كان خريفا قاسيا، أطلق عليه جورا و بهتانا إسم الربيع، كان خريفا سقطت معه جميع الأقنعة.
 
فعوض أن تشرق في نهاراته أنوار الشمس، اقتلعت فيه عيون البشر وجزت به الرقاب وهدمت فيه معالم التاريخ ونهبت كنوز الإنسانية، خدمة مجانية لجهات معنية، خدمة قُدمت على طبق مرصع بالألماس هذه المرة، لقد صدّروا لنا ربيعهم وتركوا العصافير تـزقزق عندهم.
 
عاجل