المدونات
مقالات الرأي
مقالات الرأي
الرأي

زوبعة التوصيات الاستشارية ومنطق الواقع

زوبعة التوصيات الاستشارية ومنطق الواقع
الثلاثاء 27 أكتوبر 2015 - 21:53

يختص المجلس الوطني لحقوق الانسان الذي أحدث بموجب ظهير فاتح مارس 2011 ببحث ودراسة ملائمة النصوص التشريعية والتنظيمية الوطنية مع مقتضيات المعاهدات الدولية المرتبطة بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني التي صادقت عليها المملكة, واقتراح التوصيات التي يرى المجلس أنها مناسبة في هذا الشأن.

وإعمالا لمقتضيات الظهير المنشأ له, قدم المجلس الوطني لحقوق الانسان تقريرا حول وضعية المساواة والمناصفة في المغرب, باعتباره حصيلة تحليلية لمرورعشر سنوات على إصلاح مدونة الأسرة وكذا عقب الدستور الجديد.

ولعل أكثر التوصيات إثارة للجدل, تلك المتعلقة بالمساواة والمناصفة في المنظومة القانونية الوطنية, حيث أدرج المجلس معطيات إحصائية حول " العنف الأسري ", ارتفاع نسبة زواج القاصرات على الرغم من إحداث مدونة جديدة للأسرة, صعوبة ولوج المرأة لمرفق العدالة... ليخلص المجلس إلى وضع توصيات تحث على التسريع بإحداث هيئة المناصفة ومكافحة كافة أشكال التمييز والإسراع بإخراج المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة وتعديل مدونة الأسرة بشكل يمنح المرأة حقوقا متساوية مع الرجل, فيما يخص عقد الزواج وفسخه وفي العلاقة مع الأطفال وكذا في مجال الإرث.

توصيات وإن بنيت على معطيات إحصائية دقيقة وحرصت على ملائمة التشريع الوطني مع الاتفاقيات الدولية, إلا أنها لم تستحضر مجموعة من الاعتبارات الواقعية التي تجعل إقرار المشرع بتلك التوصيات, أمرا غير ذي موضوع.

ففيما يخض المساواة بين الجنسين في الحقوق المتعلقة بالزواج والطلاق ورعاية الأطفال, فإن واقع الحال يحول دون تحقيق الأهداف المنشودة حيث تعلو قواعد الدين والأخلاق والأعراف والتقاليد على القوانين الوضعية, وتقف النواميس حاجزا منيعا أمام أي تغيير على الأقل في المدى المنظور.

من ابرز مظاهر هذه المقاومة, زواج القاصرات المستشري في القرى وأحيانا في الحواضر لموافقته مقتضيات الشريعة الإسلامية والأعراف والعادات .

موضوع المساواة في الإرث الذي خلف موجة استياء عارمة في الآونة الأخيرة عاد مجددا إلى الواجهة.

فتوصيات المجلس المقترنة بهذه النقطة الحساسة تجنب عدد من المسؤولين والساسة – حتى التقدميين منهم – الخوض فيها ورفضها آخرون جملة وتفصيلا.

وبإنزال توصية المساواة في الإرث أرض الواقع تصطدم الأخيرة بسيل من الصعوبات فأغلب النساء في المجال القروي على وجه الخصوص معوزات, وفي معظم الأحيان لا يستفدن من أي تركة, حتى أن عائلات عديدة لا تجري إحصاء المتروك لهزالته.

وإلى جانب الحالة الإجتماعية هناك صعوبات إجرائية اخرى لا ينبغي إغفالها. بدورها تطرح بنية الملكية العقارية تعقيدات تجعل تحديد الأنصبة وإثباتها أمرا صعبا, إضافة إلى ارتباط الذكر والأنثى في المواريث بالأصل والفرع, حيث تقع المرأة محل وريث أساسي أو وارث بالتعصيب وبالتالي فإن المساواة بين الجنسين في الإرث ستلغي قواعد الشريعة برمتها.

كما أن اعتماد التوصية السالفة الذكر من شأنه تشجيع التحايل (البيوع والهبات الصورية...)

إن الحرص على ملائمة التشريعات الوطنية مع المواثيق الدولية دون مراعاة خصوصية وثوابت الأمة لن يكون سوى ركض وراء السراب.

 

عاجل