رحلة المهاجرين غير الشرعيين عبر المتوسط .. من الموت إلى الموت
الثلاثاء 21 أبريل 2015 - 15:47
بدا المشهد مخيفا في عرض البحر المتوسط حين تحول إلى مقبرة جماعية للمئات من أبناء القارة الإفريقية ممن قادهم اعتناق نفس الحلم إلى مواجهة نفس المصير، شباب أعلنوا العصيان مرغمين على ماما إفريقيا الفقيرة الجائعة، أو على سوريا الجريحة، أو اليمن التعيس في سبيل الارتماء في أحضان عروس عجوز غنية قد لا تكن لهم سوى مشاعر الكره أو الشفقة‎.
 
لا شك أن من يقدمون على مغامرة الهجرة غير الشرعية مدركون جيدا للمخاطر التي قد تتربص بهم في عرض البحر، والمسألة ليست جحودا أو جهلا بقدر ما هي استسلام لواقع يرونه محتوما فإما الموت السريع غرقا في البحر، وإما الموت البطيء في بلدانهم بسبب اليأس أو الفقر أو الحرب. فالتمسك بخيط أمل رفيع في احتمال العبور إلى الضفة الأخرى يطغى على كل احتمالات الموت المطروحة‎.
 
أرقام غرقى المتوسط تتزايد بشكل مخيف
 
حوّل شهر أبريل الحالي إلى الشهر الأكثر دموية على الاطلاق بعد مقتل 1300 مهاجر غير شرعي غرقاً في البحر المتوسّط، وبعدما سجّلت يوم الأحد 19 أبريل أسوأ حادثة راح ضحيتها 800 شخص بعد غرق مركب صيد قبالة سواحل ليبيا، ما رفع عدد قتلى جحيم المتوسط إلى أكثر من 1750 منذ بداية العام 2015، وهو عدد أكبر 30 مرة من حصيلة نفس الفترة من العام 2014‎ حسب المنظمة الدولية للهجرة التي أبدت خشيتها من أن يتمّ تجاوز حصيلة قتلى 2014 الإجمالية في المتوسط البالغة 3279 مهاجراً "في غضون الشهور الأولى من هذا العام، أو تفوق الحصيلة 30 ألف قتيل مع نهايته استناداً إلى الحصيلة الحالية‎.
 
من جهتها،  أعلنت المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة أن "نصف مليون مهاجر قد يحاولون في العام الحالي عبور المتوسط، ما يهدد بمقتل الآلاف إن لم يتم التحرك لوقف منظمي هذا النوع من الاتجار بالبشر‎".
 
في قراءته للتزايد المخيف لظاهرة الهجرة عبر المتوسط قال عبد الحميد البجوقي الخبير في شؤون الهجرة في حوار  لميدي1 تي في: "ما نشاهده اليوم من أعداد المهاجرين الوافدين على إيطاليا واليونان ودول أوروبية أخرى يعتبر انفجارا غير مسبوق، وفقط عرفت أوروبا العجوز ما يشابهه أثناء حرب البلقان ، ودائما داخل نفس الضفة الشمالية. الأرقام الرسمية التي لا تشمل كل العابرين والتي نشرتها في متم الأسبوع الفارط الشرطة الاوروبية ‎ FRONTEX للحدود تتحدث عن 260.000 سنة 2014 بعد أن سجل نفس المصدر 107.000 سنة 2013، ويُنتظر أن يتضاعف العدد سنة 2015‎."

الهجرة عبر المتوسط .. ظاهرة قديمة بدوافع جديدة
 
ظاهرة الهجرة غير الشرعية عبر مياه المتوسط قديمة تعود إلى القرن التاسع عشر لكن موجة الهجرة تزايدت بشكل كبير وباتت  تقريبا خارج السيطرة في السنوات الأخيرة خصوصا بعد ما يعرف بثوارت الربيع العربي و تزايد نشاط جماعات إسلامية في افريقيا جنوب الصحراء‎.
بهذا الخصوص يؤكد عبد الواحد البجوقي : "التزايد المخيف والمهول للهجرة من الجنوب إلى الشمال يعود إلى مستجدات تتعلق بالوضع الأمني في جنوب المتوسط  وحالة الحروب وعدم الاستقرار في دول المنطقة، وبالخصوص في ليبيا‎.
 
لم تتغير الأسباب التقليدية للهجرة والمتعلقة بالبطالة والركود الاقتصادي والتي كانت سببا في تزايد الهجرة السرية من وعبر دول الجنوب، إلى هذه الأسباب تنضاف اليوم تداعيات ما بعد "الربيع العربي" وكل المؤشرات تؤكد أن المنطقة مقبلة على المزيد بشكل غير مسبوق في التاريخ الحديث للمنطقة، وتداعياتها الخطيرة على دول العبور بما فيها المغرب‎".
 
ليبيا .. الصراع على البر .. الفوضى في البحر
 
ليبيا هي المُصَدر الرئيسي للمهاجرين غير الشرعيين في الوقت الراهن، وغالبيتهم من الصومال وإريتريا  وبنغلاديش وسوريا و ليبيا.
ويربط الخبراء و المحللون المتتبعون للموضوع  مكافحة الظاهرة بحل المشكل  في ليبيا أولا وجريرتهم في ذلك ان ليبيا وكما يقول عبد الواحد أغمير المختص في العلاقات المغربية الإسبانية و مدير مركز الاندلس لحوار الحضارات في تصريح خاص بمدي1 تي في : "أن ليبيا لديها حدود مع ست بلدان و لديها شواطئ على البحر المتوسط تمتد لحوالي 1800 كيلومترا لا يمكن مراقبتها مع العلم أن بعضها مهجور تماما ولا يخضع للرقابة الامنية، إلى جانب إمتداد صحراءها على ألاف الكلمترات  يصعب مراقبتها أيضا‎ ".
 
الوضع غير المستقر في ليبيا  تستغله مافيا تجارة البشر كما تستغله بالدرجة الأولى الجماعات المسلحة التي تساعد الراغبين في الهجرة نحو أوروبا باركابهم على متن قوارب متهالكة مقابل مبالغ مهمة هي حصيلة شقائهم,  يتم بها لاحقا تمويل الأنشطة الأرهابية في المنطقة وربما تتعدى القطر الليبي إلى دول الجوار ودول المتوسط‎.
 
أضحت إيطاليا ومالطا واليونان وقبرص وبلغاريا وإسبانيا منافد لدخول المهاجرين من أفريقيا والشرق الأوسط إلى الاتحاد الأوروبي، عبر تركيا ومصر وتونس و بشكل أخص ليبيا التي أصبحت نقطة إنطلاق رئيسية  للمهاجرين من مختلف البلدان بعد تشديد الرقابة الأمنية في عدد من دول البحر الابيض المتوسط كتونس التي نجحت مؤخرا في استعادة قدرتها على حراسة الحدود ومنع تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى القارة الأوروبية على عكس ما حصل خلال اندلاع ثورة الياسمين قبل نحو أربع سنوات‎.
 
لم تعد الدول الافريقية المصدر الوحيد للهجرة ، يقول  عبد الواحد البجوقي "بعد تزايد مهوِل لعدد الوافدين وبشكل جماعي من دول تعرف ما يشبه الحروب الأهلية مثل سوريا واليمن ومصر وأغلبهم يستعملون دول شمال إفريقيا بداية بليبيا التي تنعدم فيها الدولة ، وأخرى مثل تونس والجزائر وحتى المغرب بشكل أقل‎.
 
سياسة الأقفال القانونية والبوليسية تجاه تفاقم الظاهرة كانت لها نتائج معكوسة ودفعت المُحاصرين إلى أحضان عصابات تهريب البشر التي تجعل من دول مثل ليبيا ثكنة لعملياتها‎."
 
عصابات الهجرة .. 80 ألف يورو عن كل قارب
 
تربح شبكات إجرامية تربح ملايين اليورو سنويا من تهريب المهاجرين عبر البحر المتوسط وتكسب من حمولة كل قارب نحو 80 ألف يورو‎. وفكك مدعون في باليرمو الإيطالية الأسبوع الماضي عصابة كبيرة لتهريب البشر بعد يوم من غرق زهاء 900 شخص عندما انقلبت سفينتهم قبالة ساحل ليبيا‎. 
 
وقال كبير المدعين في باليرمو فرانسيسكو لو فوي يوم الخميس إن تحقيقا هذا الأسبوع ساعد في الكشف عن مجموعات أخرى تستعد للتعامل مع ما يصل الى مليون مهاجر قال إنهم في ليبيا ويأملون في عبور البحر إلى أوروبا‎. 
 
وخلال محادثة هاتفية سجلتها الشرطة ضمن التحقيق قال مهربون إنهم يجنون في المتوسط 80 ألف يورو عن كل قارب ويتقاضون من كل مهاجر زهاء 1500 يورو مقابل رحلة العبور‎.
 
السياسات الأوروبية .. إجراءات صارمة قد تصل إلى استعمال القوة العسكرية
 
بالعودة إلى الأرقام التي سجلته ظاهرة الهجرة عبر المياه المتوسطية يضيف  الخبير في شؤون الهجرة عبد الواحد البجوقي " هذه الأرقام تعتبرها لجنة الهجرة في الوحدة الأوروبية مُخيفة وتتهيأ دول الوحدة لتفعيل اجراءات استثنائية غير مسبوقة تم تحديدها في اجتماع وزراء داخليتها الأخير، وصرحت بعض المصادر من البرلمان الأوروبي عن اقتراحات غير مسبوقة بإشراك وزارات الدفاع في استراتيجية التصدي للظاهرة‎..."
 
في الوقت الحالي تنسق اليونان وإيطاليا وإسبانيا  مواقفها من أجل التقدم بمخطط عمل ومبادرة مشتركة لمواجهة تدفقات المهاجرين في المتوسط يتم تنفيذها تحت إشراف الاتحاد الأوربي. و إلى جانب ايطاليا و مالطا و اسبانيا اصبحت اليونان  تستقبل أعدادا هائلة من المهاجرين غير الشرعيين وقد أصبحت الجزر اليونانية  تستقبل لاجئين سوريين في الغالب أكثر مما تحتمل مراكز الشرطة والإيواء , أعدادهم تضاعفت منذ مطلع العام بنسبة 223 في المائة عن العام الماضي‎.
 
و في تعليقه على السياسات الأووربية بهذا الشأن يرى عبد الواحد البجوقي "أن السياسات الأوروبية كانت دائما دفاعية سواء المتعلقة بتنظيم الهجرة أو إدماجها وربطها بالقطاعات الاقتصادية التي كانت تعرف طلبا متزايدا لليد العاملة، كل القوانين المتعلقة بالهجرة في أوروبا والغرب عموما (باستثناء كندا وأستراليا) جاءت بعد تفاقم الوضع والتزايد غير المنظم للهجرة في بلدان الاستقبال بدل أن تكون وقائية ومٌنظِّمة للهجرة بناء على احتياجات سوق العمل والتزامات التضامن والتكافل الدولي فيما يخص الهجرة الناتجة عن الحروب والنزاعات المسلحة، أو ما يسمى بلاجئي الحرب. ولكونها سياسات دفاعية من حيث الاستقبال وتسوية أوضاع المهاجرين السريين، وترقيعية في المجال الاجتماعي والحقوقي وسياسات الاندماج‎".
 
دخول وزارات الدفاع  على الخط و لأول مرة  يعني أننا لسنا أمام قضية بل امام حرب  كبيرة ضد عصابات الإتجار بالمهاجرين . و للإشارة فالأعداد الهائلة التي قضت في البحر و الاخرى التي تمكن خفر السواحل الاوروبية من انقاذها ليست إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد فعلى الحدود الليبية تنتظر حشود من المرشحين للهجرة غير الشرعية  تقدر أعدادهم بمئات الآلاف‎ ..
المصدر : نجاة بوتفسوت
عاجل